الوسيط في شرح مدونة الأسرة للدكتور محمد الكشبور
مرجعك الشامل في العدالة الأسرية: قراءة نقدية وتطبيقية في كتاب “الوسيط في شرح مدونة الأسرة” للدكتور محمد الكشبور
تعتبر الأسرة اللبنة الجوهرية والخلية الأساس في بناء المجتمعات الإنسانية، فهي الحضن الأول الذي تترعرع فيه الأجيال والملاذ الذي تُصان فيه الكرامة وتُحفظ فيه القيم؛ ومن هنا، لم يكن غريبًا أن يولي المشرع المغربي عناية فائقة لتنظيم الروابط الأسرية، منتقلًا بها من منطق “الأحوال الشخصية” التقليدي إلى فضاء “مدونة الأسرة” الشامل والحديث. وفي قلب هذا التحول التشريعي التاريخي، برزت الحاجة الماسة إلى عقل قانوني فذّ يفكك شفرات النصوص ويجلي غوامض التطبيق، وهو ما تجسد في مؤلف “الوسيط في شرح مدونة الأسرة” لمؤلفه الأستاذ الدكتور محمد الكشبور، الذي يعد بحق منارة فقهية تضيء دروب الباحثين والممارسين في حقل القانون المغربي.
يأتي هذا الكتاب ليمثل حلقة وصل متينة بين أصالة الفقه الإسلامي ومعاصرة التشريع الوضعي، حيث لم يكتفِ المؤلف بسرد المواد القانونية، بل غاص في فلسفتها العميقة ومراميها البعيدة. إن أهمية هذا العمل تنبع من كونه يرصد “الثورة الهادئة” التي عرفها المغرب مع صدور القانون رقم 70.03، محاولاً الموازنة بين الحفاظ على الثوابت الدينية والوطنية وبين الاستجابة لمتطلبات العصر والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان، مما يجعل من الكتاب وثيقة علمية تؤرخ لتحول مجتمعي وقانوني فريد.
فلسفة التحول من مدونة الأحوال الشخصية إلى مدونة الأسرة
إن الانتقال من مدونة الأحوال الشخصية الملغاة التي صدرت غداة الاستقلال إلى مدونة الأسرة الحالية لم يكن مجرد تغيير في المسميات، بل كان تعبيرًا عن رؤية استراتيجية تبتغي إنصاف المرأة وحماية حقوق الطفل وصيانة كرامة الرجل. يعالج الدكتور محمد الكشبور في كتابه هذه الفلسفة من خلال تتبع المسار التاريخي للتشريع الأسري المغربي، موضحًا كيف ساهم النقاش العمومي، الذي تداخلت فيه الأبعاد السياسية والحقوقية والشرعية، في بلورة هذا النص الجديد الذي حظي بتحكيم ملكي سامٍ يرتكز على مقاصد الشريعة الإسلامية السمحة.
تتجلى الإشكالية المحورية التي يتصدى لها الكتاب في كيفية “أنسنة” العلاقة الزوجية ورفع الحيف عن الفئات الهشة داخل الأسرة دون المساس بجوهر العقيدة. فالكتاب يطرح تساؤلات عميقة حول مدى قدرة النص القانوني على تحقيق العدالة في واقع اجتماعي مركب، وكيف يمكن للاجتهاد القضائي أن يلعب دورًا تكميليًا لسلطة المشرع في فك الألغاز المسطرية والموضوعية التي قد تعتري بعض النصوص عند التنزيل العملي.
القيمة المعرفية والعلمية لمؤلف “الوسيط”
تكمن القيمة العلمية المضافة لهذا الكتاب في كونه “وسيطاً” بالمعنى الأكاديمي الدقيق؛ فهو يتوسط بين الاختصار المخل والمنطول الممل، مقدماً للمكتبة القانونية المغربية شرحاً تحليلياً يجمع بين التأصيل الشرعي والتطبيق القضائي. وما يرفع من شأن هذا العمل هو حرص المؤلف في طبعته الثانية المنقحة والمحينة على استدراك ما فاته، وتوسيع التحليل في المسائل التي تفتقر إلى العمق الأكاديمي، موظفاً في ذلك أحدث القرارات الصادرة عن محكمة النقض المغربية.
إن الكتاب يمثل خزانة قانونية متنقلة، حيث يعمد الدكتور الكشبور إلى إرجاع النصوص التشريعية إلى مصادرها الأصلية، سواء كانت في المذهب الممالكي (المصدر الرئيسي) أو في المذاهب السنية الأخرى والاجتهادات الفقهية المعاصرة. هذا الربط المنهجي يمنح القارئ رؤية شمولية تسمح له بفهم “لماذا” شُرع النص على هذا النحو، وما هي المصلحة المتوخاة منه، مما يخرج الدراسة من حيز التوصيف الجاف إلى فضاء التحليل النقدي الرصين.
المنهجية العلمية: المزاوجة بين النص والاجتهاد القضائي
اعتمد الدكتور محمد الكشبور منهجية علمية صارمة تتسم بالوضوح والتسلسل المنطقي، حيث قسم دراسته وفق تبويبات المدونة نفسها، مركزاً في جزئه الأول على “عقد الزواج وآثاره”. وتتميز هذه المنهجية بعدة سمات تجعل الكتاب متفرداً في بابه:
- التحليل المقارن: لا يكتفي المؤلف بشرح النص الحالي، بل يستحضر أحكام المدونة الملغاة لإبراز مكامن التغيير وأوجه التطور، كما ينفتح على القوانين المقارنة في الدول العربية والغربية لتوضيح القواعد القانونية.
- التوظيف القضائي: يؤمن المؤلف بأن “فقه القضاء” هو المكمل الفعلي لسلطة المشرع، ولذلك يزخر الكتاب بالاجتهادات القضائية التي فكت مغاليق النصوص الغامضة أو عالجت وقائع مستجدة لم تخطر على بال المشرع وقت الصياغة.
- الأصالة القانونية: يحرص الكتاب على تحيين النصوص التشريعية في ضوء ما استجد من قوانين مرتبطة، مثل قانون خطة العدالة، مما يضمن للقارئ مادة علمية مواكبة للواقع التشريعي الراهن.
أهم المحاور والمستجدات التي عالجها الكتاب
لقد أفاض المؤلف في شرح المستجدات الجوهرية التي جاءت بها مدونة الأسرة، معتبراً إياها مكاسب للمغاربة أجمعين. ومن أبرز هذه المحاور التي تناولها بالبحث والدراسة:
جعل مسؤولية الأسرة تحت رعاية الزوجين معًا
لقد ولى زمن الولاية الانفرادية المطلقة، ليحل محلها مفهوم الشراكة والمسؤولية المشتركة في تدبير شؤون الأسرة ورعاية الأطفال، وهو ما ينسجم مع المبادئ الدستورية التي تقر المساواة بين الرجل والمرأة.
توحيد سن الزواج وولاية المرأة الرشيدة
عالج الكتاب بدقة رفع سن الزواج إلى ثمان عشرة سنة للطرفين، مع تخويل القاضي سلطة التقدير في حالات استثنائية. كما شرح بعمق تحول الولاية في الزواج إلى حق للمرأة الرشيدة تمارسه حسب اختيارها ومصلحتها، منهياً بذلك جدلاً فقهياً طويلاً حول إجبار المرأة على الزواج.
تقييد التعدد والرقابة القضائية على الطلاق
يعتبر هذا المحور من أدق مباجث الكتاب، حيث حلل المؤلف الشروط الصارمة التي وضعها المشرع لممارسة التعدد، محولاً إياه من قاعدة عامة إلى استثناء ضيق يخضع لرقابة القضاء الصارمة. كما فصل في المسطرة الجديدة للطلاق التي تستوجب الإذن المسبق من المحكمة وضمان حقوق الزوجة والأطفال، مما حد من الممارسة التعسفية للرجل في إنهاء ميثاق الزوجية.
حماية حقوق الطفل والنسب
أولى الكتاب أهمية قصوى لمصلحة المحضون وحماية حقه في النسب والنفقة والسكنى، مستحضراً المقتضيات الدولية التي صادق عليها المغرب، ومنبهاً إلى الدور الكبير الذي يلعبه القضاء في إثبات البنوة والنسب بالاعتماد على كافة الوسائل العلمية والموضوعية.
الفئات المستهدفة: من المدرج الجامعي إلى المحراب القضائي
إن “الوسيط في شرح مدونة الأسرة” ليس مجرد كتاب دراسي، بل هو مرجع مركب يستهدف طيفاً واسعاً من القراء:
- القضاة والمحامون: يجد الممارسون في هذا الكتاب سنداً فقهياً وقضائياً يعينهم على فهم روح النص وتطبيقاته، ويوفر عليهم عناء البحث في بطون الكتب الفقهية القديمة.
- الباحثون والطلبة: يعد الكتاب رفيقاً أساسياً لطلبة الحقوق في سلك الإجازة والدراسات العليا، حيث يقدم لهم مادة علمية رصينة بلغة قانونية أنيقة وسلسة.
- العدول والموثقون: نظراً لارتباط مدونة الأسرة الوثيق بالإشهاد والتوثيق، فإن الكتاب يوضح الإجراءات المسطرية اللازمة لتوثيق العقود وضمان صحتها القانونية.
- عموم المهتمين بالشأن الحقوقي: الكتاب يرفع من منسوب الوعي القانوني حول حقوق وواجبات أطراف العلاقة الزوجية، مما يساهم في بناء ثقافة أسرية قائمة على العدل والإنصاف.
بصمة المؤلف: أسلوب يجمع بين رصانة الفقيه ودقة القانوني
ما يميز كتابات الدكتور محمد الكشبور هو ذلك الأسلوب السهل الممتنع؛ فهي كتابة تتسم بالرصانة الأكاديمية التي تليق بأستاذ جامعي متمرس، وفي الوقت نفسه تتسم بالسلاسة والوضوح التي تجعل المعلومة القانونية في متناول الجميع. لقد استطاع المؤلف أن يستغني عن المصطلحات الفقهية المعقدة التي قد تسيء إلى شعور المرأة أو تعيق الفهم الصحيح، مستبدلاً إياها بلغة عصرية بسيطة تحترم كرامة الإنسان وتنسجم مع روح العصر.
إن الكتاب يعكس شخصية المؤلف التي لا تكتفي بالنقل، بل تمارس النقد البناء؛ فهو يؤيد ويصوب وينتقد بجرأة علمية تبتغي وجه المصلحة العامة، مؤمناً بأن النص التشريعي قد يكون جيداً فتفسده الممارسة، وقد يكون ناقصاً فيحسنه التطبيق القضائي الرشيد.
خاتمة تحفيزية: لماذا يجب أن تقتني هذا الكتاب؟
إن دراسة وقراءة كتاب “الوسيط في شرح مدونة الأسرة” للدكتور محمد الكشبور هو استثمار حقيقي في المعرفة القانونية والشرعية. إنه ليس مجرد شرح لمواد قانونية، بل هو رحلة في أعماق الهوية المغربية وهي تتصالح مع حداثتها، وهو دليل عملي لكل من يريد فهم مسارات العدالة الأسرية في المغرب المعاصر.
بين دفتي هذا الكتاب، ستجد الإجابة عن أعقد الإشكالات التي تطرحها مدونة الأسرة، وستقف على كيفية بناء “قضاء أسري عادل وعصري وفعال” كما أرادته المرجعية العليا للبلاد. ندعوكم لسبر أغوار هذا العمل المتميز، الذي يمثل لبنة أساسية في صرح المكتبة القانونية المغربية، ومساهمة فعالة في حماية الأسرة وصون حقوق أفرادها في ظل دولة الحق والقانون. إن قراءتكم لهذا الكتاب هي الخطوة الأولى نحو وعي قانوني أعمق، وممارسة مهنية أكثر دقة، وفهم أشمل لميثاق الغليظ الذي يجمع بين قلوب المغاربة.



