دليل شامل لكتاب علم أصول القانون للعلامة عبد الرزاق السنهوري
يُعد كتاب “علم أصول القانون”، الذي صاغه عميد كلية الحقوق الأسبق، الأستاذ عبد الرزاق أحمد السنهوري بك، مرجعاً كلاسيكياً لا غنى عنه في المكتبة القانونية العربية 1. تكمن أهمية هذا المؤلف في كونه خلاصة المحاضرات التي ألقاها السنهوري على طلبة السنة الأولى بكلية الحقوق، لتكون مقدمة تمهيدية لدراسة القانون بوجه عام، ودراسة القانون المدني بوجه خاص 1. يسعى الكتاب إلى وضع القواعد الفلسفية والعلمية التي ترتكز عليها دراسة القانون، مما يُعد إعداداً ذهنياً ضرورياً للطالب قبل الانخراط في الحياة العملية 2.
أهداف دراسة علم أصول القانون في الفكر السنهوري
يحدد السنهوري الغرض من دراسة هذا العلم في استيعاب المبادئ الأساسية التي يقوم عليها القانون قبل الدخول في تفصيلاته 3. فالهدف هو التعريف بالقانون، وتحديد خصائصه، وضرورته، ونطاقه، وبيان اتصاله بالعلوم الأخرى 3.
المنهجية العلمية والروح الدراسية
يتوخى الكتاب منهجاً يجمع بين تحديد طبيعة القانون وتفصيل فروعه ومصادره 3. وتتميز هذه الدراسة بكونها:
- دراسة فلسفية: تسمو بالبحث القانوني إلى درجات التجريد والاستقراء المنطقي 3.
- دراسة ابتدائية: تستهدف المبتدئين في دراسة القانون لتكوين أساس متين لهم 3.
- دراسة علمية: تعتمد على الاستقصاء والتعمق العلمي في فهم الظاهرة القانونية 3.
تعريف القانون وخصائصه الجوهرية
يعرف السنهوري القانون بأنه مجموعة القواعد التي تنظم الروابط الاجتماعية، والتي تقسر الدولة الناس على اتباعها ولو بالقوة عند الاقتضاء 2. ومن هذا التعريف، تنبثق خصائص القاعدة القانونية التي تجعل منها أداة ضبط اجتماعي فعالة.
تحليل خصائص القاعدة القانونية
تتميز القاعدة القانونية في فكر السنهوري بثلاث خصائص جوهرية لا بد من توافرها مجتمعة 2.
أولاً: خاصية العمومية والتجريد
القاعدة القانونية عامة بطبيعتها ومجردة في وظيفتها 2. وهذا يعني أنها لا توضع لعمل معين أو لشخص واحد بالذات، بل يجب أن تكون واجبة التطبيق على كل الأعمال والأشخاص الذين تتماثل ظروفهم 2.
التفرقة بين القاعدة القانونية والقرار الإداري
يؤكد السنهوري أن القانون يختلف عن الأمر الإداري الصادر بإغلاق مصنع معين أو الحكم القضائي الملزم لشخص محدد 2. فالقانون ينظم طائفة من الأعمال كالتصرفات الصادرة في مرض الموت، أو يطبق على طائفة معينة من الأشخاص كالطلبة أو المحامين 2.
استثناءات العمومية الظاهرية
قد يطبق القانون على شخص واحد دون أن يفقد صفته كقانون، وذلك إذا كان الخطاب موجهاً لصفته لا لذاته، كالقانون الذي ينظم وراثة العرش أو رئاسة الوزراء 2.
ثانياً: القاعدة القانونية وتنظيم الروابط الاجتماعية
لا يمكن تصور وجود القانون دون وجود المجتمع، فالإنسان المنفرد كـ “روبنسون كروزو” لا يحتاج للقانون لعدم وجود روابط اجتماعية تستدعي التنظيم 4. القانون يهدف إلى خلق نظام متناسق يحكم الحوادث المتكررة والروابط البشرية 4.
ثالثاً: اقتران القاعدة بالجزاء الدنيوي
القاعدة القانونية تتميز بأنها تقترن بجزاء دنيوي توقعه الدولة 4. وقد يصح الجزاء القانوني جزاء غير دنيوي كالوعد بالثواب أو الوعيد بالعقاب في الآخرة، لكن هذا لا يخرج القاعدة من دائرة الدين إلى دائرة القانون إلا إذا اقترن بجزاء مادي تفرضه السلطة العامة 4.
نطاق القانون وعلاقته بالعلوم الأخرى
يميز السنهوري بين نطاق القانون ونطاق الأخلاق والعلوم الاجتماعية الأخرى، موضحاً نقاط الالتقاء والاختلاف 5.
الفرق بين القانون وعلم الأخلاق
تعتبر دائرة الأخلاق أوسع بكثير من دائرة القانون 5. فالأخلاق تشمل واجب الإنسان نحو نفسه وواجباته نحو ربه، بينما يقتصر القانون غالباً على تنظيم واجبات الإنسان نحو غيره من البشر 5.
تقاطع القانون مع العلوم الاجتماعية والرياضية
يرى السنهوري أن العلوم تنقسم إلى رياضية وطبيعية واجتماعية 6. القانون ينتمي للعلوم الاجتماعية، وهو يتصل وثيقاً بالعلوم الآتية:
- علم الأخلاق: حيث يستمد القانون الكثير من مبادئه من القيم الأخلاقية 6.
- علم الاجتماع: لاتصاله الوثيق بتنظيم الروابط الشخصية 6.
- علم الاقتصاد: لتعلقه بالمعاملات المالية 6.
- علم السياسة: لاتصاله بنظام الحكم وإدارة الدولة 6.
المذاهب الفقهية في تفسير طبيعة القانون
يستعرض السنهوري المذاهب التي حاولت تفسير أصل القانون، ويقسمها إلى طائفتين أساسيتين 7.
المذاهب القانونية (المذاهب الشكلية)
هذه المذاهب تقف عند الناحية القانونية العملية ولا تتعمق في التحليل الفلسفي العميق 7. ومن أبرزها:
مذهب أوستن (إرادة السلطان)
يقوم مذهب أوستن على أن القانون هو مشيئة المشرع ومصدره الوحيد هو التشريع 8. يرى أوستن أن القانون يتكون من ثلاث دعائم:
- هيئة سياسية عليا: تمارس السلطة (السلطان) 8.
- أمر أو نهي: يصدر عن هذه الهيئة 8.
- جزاء دنيوي: يوقع على من يخالف القانون 8.
مدرسة الشرح على المتون (Ecole de l’Exégèse)
تتفق هذه المدرسة مع مذهب أوستن في جعل التشريع المصدر الرسمي الوحيد للقانون 9. يرى فقهاء هذه المدرسة أن النصوص التشريعية تحوي كل القواعد القانونية، وينحصر دور الفقيه في تفسير هذه النصوص واستخلاص “النية الحقيقية” للمشرع وقت وضع النص 10.
المذاهب الاجتماعية (المذاهب الموضوعية)
هذه المذاهب تنفذ إلى جوهر القانون وتحلله فلسفياً واجتماعياً 11.
مذهب القانون الطبيعي
يرى هذا المذهب أن هناك قانوناً ثابتاً كامناً في طبيعة الروابط الاجتماعية، لا يتغير بالزمان أو المكان، ويكشفه العقل البشري 11. تطور هذا المذهب من الفلسفة اليونانية (أرسطو والرواقيين) إلى الرومان والمسيحية وصولاً إلى المعتزلة في الفكر الإسلامي 22، 23، 24.
مذهب التطور التاريخي
ظهر كرد فعل ضد مذهب القانون الطبيعي، ويرى أن القانون ليس ثابتاً بل هو ظاهرة اجتماعية تتطور وفقاً لحاجات الأمة وظروفها التاريخية 12. القانون في هذا المذهب هو خلق البيئة وثمرة التطور التلقائي 13.
مذهب التضامن الاجتماعي (ليون ديجي)
يعتبر ديجي أن أساس القانون هو واقعة “التضامن الاجتماعي” 14. فالإنسان لا يمكنه العيش إلا في مجتمع، وهذا المجتمع يفرض قواعد سلوك تضمن بقاءه واستقراره 14.
مصادر القانون في العصر الحديث
يعرف السنهوري مصدر القانون بأنه الطريق الذي تؤخذ منه قواعده وأحكامه 15. وتنقسم المصادر إلى نوعين أساسيين.
المصادر الرسمية للقانون
هي السلطة التي تعطي للقواعد القانونية قوتها الملزمة، وتشمل:
- التشريع: وهو المصدر الرسمي الأول والأهم في الدول الحديثة 50، 71.
- الدين: كمصدر للأحوال الشخصية والروابط الأسرية 61، 65.
- العرف: وهو ما استقر عليه الناس من عادات واعتبروها ملزمة 16.
- قواعد العدالة والقانون الطبيعي: التي يلجأ إليها القاضي عند نقص التشريع 66، 67.
المصادر التفسيرية للقانون
هي المراجع التي توضح غموض القانون، وتتمثل في:
- الفقه: وهو استنباط الأحكام بالطرق العلمية 17.
- القضاء: وهو تطبيق القواعد القانونية على القضايا المعروضة 17.
العلم والصياغة في التشريع القانوني
يذهب السنهوري، متأثراً بالفقيه “جني”، إلى أن القانون يشتمل على عنصرين: العلم والصياغة 18.
عنصر العلم (المادة الأولية)
هو استخلاص القواعد من طبيعة الروابط الاجتماعية، ويقوم على أربعة عوامل 18:
- عامل الحقائق الواقعية: كالأحوال الطبيعية والبيئية 19.
- عامل الحقائق التاريخية: التطورات التي مرت بها النظم القانونية 19.
- عامل الحقائق العقلية: القواعد التي يستخلصها العقل من الواقع 20.
- عامل الحقائق المثالية: المثل العليا التي يطمح الإنسان لتحقيقها 20.
عنصر الصياغة (القالب الفني)
هو القالب الذي تصاغ فيه المادة الأولية لتصبح قابلة للتطبيق العملي 21. وتأخذ الصياغة نوعين:
الصياغة المادية
تعتمد على مظاهر خارجية منضبطة، مثل:
- الكم مكان الكيف: كاستخدام الأرقام والمدد (مثل التقادم لمدة 15 سنة) 22.
- الشكل: كاشتراط الكتابة أو التسجيل في العقود 23.
الصياغة المعنوية
تعتمد على افتراضات أو إنشاءات قانونية، مثل:
- الأوضاع الفرضية: كافتراض علم الكافة بالقانون بمجرد نشره 24.
- الأوضاع الصورية: كاعتبار المنقول عقاراً بالتخصيص 25.
خاتمةيظل كتاب “علم أصول القانون” للسنهوري حجر الزاوية في فهم الفلسفة القانونية العربية، حيث نجح المؤلف في الربط بين المذاهب الغربية والتراث الإسلامي والواقع المصري، مقدماً رؤية متكاملة تبني شخصية القانوني المثقف 141، 143.



